حوكمة المؤسسات الإيرادية… المدخل الحقيقي لمكافحة الفساد وتنفيذ قرار الإصلاحات الاقتصادية

بقلم/ عمران جازم :
يمثل قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025 بشأن أولويات الإصلاحات الاقتصادية أحد أهم القرارات الإصلاحية، إذ ألزم الجهات الحكومية بما فيها المحافظات بتوريد الإيرادات إلى حساب الحكومة العام لدى البنك المركزي، وإلغاء الجبايات غير القانونية، وتعزيز الانضباط المالي، كما كلف رئيس مجلس الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، ورفع تقارير دورية إلى مجلس القيادة الرئاسي عن مستوى التنفيذ واتخاذ الإجراءات ضد الجهات المخالفة للقرار.
ورغم أهمية القرار، فإن نجاحه يتوقف على امتلاك الحكومة أدوات تنفيذ حديثة، لأن معالجة مشكلة الإيرادات لا تقتصر على ضمان التوريد فقط، فقانون تحصيل الأموال العامة واللوائح المالية تلزم الجهات الإيرادية بتوريد ما يتم تحصيله بموجب سندات رسمية شهريًا إلى حساب الخزينة العامة، إلا أن بعض صور الفساد بشأن ذلك تظهر في تأخير التوريد أو إبقاء الإيرادات مؤقتًا خارج الحسابات الحكومية، بما قد يسمح باستغلال المال العام للمصلحة الخاصة قبل توريده للخزينة العامة، غير أن المشكلة الحقيقية المتعلقة بجريمة فساد الاستيلاء على الإيرادات كمال عام تكمن وتتمثل في: (مرحلة وإجراءات تقدير الإيرادات) باعتبارها أكثر جرائم الفساد ارتكابًا وإضررًا بالمال العام والمصلحة العامة، حيث ما زالت المؤسسات الإيرادية في اليمن، وفي مقدمتها الضرائب والجمارك وقطاع النفط والغاز والجهات المختصة بتحصيل الرسوم المركزية ورسوم الخدمات الحكومية، تعتمد على إجراءات تقدير تقليدية عبر الموظفين والتي تتيح التلاعب بالبيانات أو تخفيض الوعاء الضريبي أو الرسوم المستحقة قانونًا، بما يؤدي إلى فقدان الدولة جزءًا كبيرًا من إيراداتها المستحقة قد تتجاوز نسبة 50 بالمائة مما يتم توريده، وأهم أسباب هذه المشكلة أو الجريمة تعود إلى أن الرقابة التي يمارسها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة على المؤسسات الإيرادية أو رقابة الإدارات المختصة في تلك الجهات تظل في معظمها (رقابة لاحقة) تركز على مراجعة سندات التحصيل والتوريد عند تسليم السندات للجهات او نهاية العام من قبل الجهاز المركزي للرقابة، دون التحقق بصورة كافية من سلامة تقدير الإيرادات ومدى مطابقته للقوانين واللوائح المنظمة، وهو ما يحد من اكتشاف جرائم الفساد التي تقع في مرحلة التقدير قبل تحولها إلى فاقد مالي على الخزينة العامة.
ولذلك، فإن تنفيذ قرار الإصلاحات الاقتصادية الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي يتطلب من الحكومة إتخاذ إجراءات عملية عاجلة ضمن برنامج الإصلاح المالي والإداري، أهمها:
1- تفعيل الرقابة المصاحبة الوقائية على تقدير الإيرادات في المنبع من خلال التنسيق مع الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد والإدارات المختصة بالرقابة الداخلية في المؤسسات، عبر فرق ميدانية متخصصة تتابع إجراءات تقدير الإيرادات وتحصيلها وتوريدها في جميع المؤسسات الإيرادية والمنافذ البرية والبحرية والجوية، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويمنع وقوع جرائم الفساد قبل ارتكابها.
2- إطلاق مشروع برنامج وطني للتحول الرقمي والحوكمة الرقمية في المؤسسات الإيرادية عبر إنشاء منصات وتطبيقات وانظمة دفع الكترونية تبدأ بالضرائب والجمارك وقطاع النفط والغاز والرسوم المركزية ورسوم الخدمات الحكومية، وربطها إلكترونيًا بوزارة المالية والبنك المركزي والأجهزة الرقابية، بما يضمن احتساب الإيرادات وفقًا للقانون، والتوريد المباشر إلى حساب الحكومة، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمكلفين والأنشطة الإقتصادية والإيرادات، وتعزيز الرقابة المصاحبة واللحظية على جميع العمليات.
3- إنشاء غرفة عمليات مركزية للإيرادات تحت إشراف رئيس مجلس الوزراء لمتابعة التنفيذ بصورة مستمرة، واعتماد مؤشرات أداء واضحة لقياس كفاءة المؤسسات الإيرادية والمحافظات، تشمل مستوى التحصيل والتوريد وسلامة الإجراءات ونسبة التحول الرقمي، وربط تقييم أداء القيادات الإدارية بمستوى الالتزام بتنفيذ القوانين واللوائح وقرار الإصلاحات، واتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة بحق الجهات والأشخاص غير الملتزمين، بما في ذلك الإحالة إلى جهات التحقيق المختصة.
4- إعداد إستراتيجية وطنية عاجلة لحوكمة المؤسسات الإيرادية تقوم على تطبيق مبادئ الحوكمة المؤسسية، وفي مقدمتها الشفافية مع المجتمع بشان تحصيل الإيرادات وأوجه صرفها، والمساءلة، والنزاهة، وسيادة القانون، والكفاءة والتخصص في التعيين بالوظيفة العامة، وقياس الأداء بالنتائج، والفصل بين مهام التقدير والتحصيل والرقابة، بما يمنع تضارب المصالح ويغلق منافذ الفساد ويحسن كفاءة استخدام الموارد العامة،
وتأتي الحوكمة الرقمية كأحد أهم أدوات هذا المشروع، باعتبارها وسيلة حديثة لتطبيق مبادئ الحوكمة عمليًا، وقد أثبتت التجارب الدولية والإقليمية أنها من أكثر الأدوات فاعلية في مكافحة الفساد المالي والإداري، من خلال تقليل التدخل البشري في تقدير الإيرادات، والحد من الإحتكاك المباشر بين الموظف والمكلف أو طالب الخدمة، وإغلاق منافذ التلاعب، وتعزيز الشفافية، وتمكين الرقابة المصاحبة واللحظية، وضمان سلامة تطبيق القانون في تقدير الإيرادات وتحصيلها وتوريدها، بما يسهم في تنمية الإيرادات العامة وحماية المال العام.
كما أن تطبيق الحوكمة الرقمية في المؤسسات الإيرادية بالمحافظات يمثل خطوة أساسية للانتقال الآمن نحو اللامركزية المالية والإدارية، من خلال بناء مؤسسات محلية قادرة على إدارة مواردها وفق قواعد ومبادئ الحوكمة.
وعليه، فإن كان قرار مجلس القيادة الرئاسي قد وضع الأساس القانوني للإصلاح المالي والاقتصادي، إلا أن نجاحه يظل مرهونًا بامتلاك الحكومة أدوات التنفيذ الحديثة، فالتحول الرقمي ليس مشروعًا تقنيًا فقط، بل هو مشروع وطني للحوكمة والإصلاح الإداري والمالي، وأحد أهم الوسائل المعاصرة لمكافحة الفساد وتنمية الإيرادات العامة.






